ابن أبي الحديد

191

شرح نهج البلاغة

فقال : بلى ، قد سمعت ، ولكن قولي أحب إلى منه : ولما وقفتم غدوة وعدوكم * إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري وطرت ولم أحفل ملامة جاهل * يساقى المنايا بالردينية السمر ( 1 ) فقال المهلب : بئس حشو الكتيبة أنت والله يا أبا حرملة ! إن شئت أذنت لك فانصرفت إلى أهلك . قال : بل أقيم معك أيها الأمير ، فوهب له المهلب وأعطاه ، فقال يمدحه : يرى حتما عليه أبو سعيد * جلاد القوم في أولى النفير إذا نادى الشراة أبا سعيد * مشى في رفل محكمة القتير ( 2 ) قال : وكان المهلب يقول : ما يسرني أن في عسكري ألف شجاع مكان بيهس بن صهيب ، فيقال له : أيها الأمير ، بيهس ليس بشجاع ، فيقول : أجل ، ولكنه سديد الرأي ، محكم العقل ، وذو الرأي حذر سئول ، فأنا آمن أن يغتفل ، ولو كان مكانه ألف شجاع لخلت أنهم ينشامون ( 3 ) حيث يحتاج إليهم . قال : ومطرت السماء مطرا شديدا وهم بسابور ، وبين المهلب وبين الشراة عقبة ، فقال المهلب : من يكفينا أمر هذه العقبة الليلة ؟ فلم يقم أحد ، فلبس المهلب سلاحه ، وقام إلى العقبة واتبعه ابنه المغيرة ، فقال رجل من أصحابه : دعانا الأمير إلى ضبط العقبة ، والحظ

--> ( 1 ) الكامل : ( ملامة عاجز ) ، الردينية : الرماح ، منسوبة إلى ردينة ، امرأة كانت تقوم الرماح . ( 2 ) الرفل بكسر الراء : الذيل ، وقد أرفل رفله ، أرسل ذيله ، وأما الرفل بفتحها ، فمصدر رفل كنصر : جر ذيله وركضه برجله ، والقتير : رؤوس مسامير حلق الدروع . ( 3 ) ينشامون ، من انشام الشئ دخل فيه واختبأ ، كتشيم ، يريد أنهم يكونون بمعزل مخافة أن يغتفلوا .